أنماط التعلم: كيف تكتشفها وتراعي تنوّع طلابك عملياً

أنماط التعلم البصري والسمعي والحركي بين الشائع والثابت علمياً: كيف تكتشف تفضيلات طلابك وتصمّم درساً متعدّد المداخل يناسب الجميع، بأمثلة من المنهج السعودي.

٣ أكتوبر ٢٠٢٦7 دقائق قراءةحروف و دروس
أنماط التعلم: كيف تكتشفها وتراعي تنوّع طلابك عملياً — حروف و دروس

سمعت في دورةٍ تدريبيّة أنّ لكلّ طالبٍ نمطَ تعلّمٍ خاصّاً به: هذا بصريّ، وذاك سمعيّ، وثالثٌ حركيّ، وأنّ عليك أن تدرّس كلّاً بطريقته. ثم عدت إلى فصلٍ فيه ثلاثون طالباً وخمسٌ وأربعون دقيقة، وتساءلت بصدق: هل يُعقل أن أحضّر الدرس الواحد ثلاث مرّات؟ وهل هذا الكلام صحيحٌ أصلاً؟

هذا الدليل يجيب عن السؤالين بإنصاف: ما الذي تعنيه أنماط التعلم، وما الذي يقوله البحث العلميّ عنها فعلاً، ثم كيف تستثمر الفكرة الصحيحة فيها — وهي أنّ طلابك متنوّعون — دون أن تقع في فخّ تصنيفهم.

ما المقصود بأنماط التعلم؟

أنماط التعلم تصوّرٌ يقسّم المتعلّمين بحسب الطريقة التي يفضّلون استقبال المعلومة بها. أشهر نماذجه نموذج VARK الذي طوّره المربّي النيوزيلنديّ نيل فليمنغ، ويضمّ أربعة أنماط:

  • البصريّ: يميل إلى الصور والخرائط والرسوم والألوان والمخطّطات.
  • السمعيّ: يميل إلى الشرح الشفهيّ والنقاش والتكرار بصوتٍ مسموع.
  • القرائيّ الكتابيّ: يميل إلى النصوص المكتوبة والقوائم وتدوين الملاحظات.
  • الحركيّ: يميل إلى التجريب واللمس والحركة والتعلّم بالممارسة.

ماذا يقول البحث العلميّ؟

هنا نقطةٌ يحسن بكلّ معلّمٍ أن يعرفها. أن يكون للطالب تفضيلٌ لطريقةٍ ما أمرٌ واقعيّ لا خلاف فيه. لكنّ الفكرة الأقوى المرتبطة بالأنماط — أنّ الطالب يتعلّم أفضل إذا قُدّم له المحتوى بنمطه المفضّل تحديداً — لم تجد دعماً متّسقاً في الدراسات المحكمة. وقد خلصت مراجعةٌ علميّة واسعة نُشرت عام ٢٠٠٨ إلى أنّ الأدلّة على هذه المطابقة غير كافيةٍ لتبريرها في التخطيط الصفّيّ.

في المقابل، هناك مبادئ قريبة من الفكرة نفسها تدعمها الأبحاث بقوّةٍ أكبر:

  • الجمع بين الكلمة والصورة يساعد معظم الطلاب على الفهم والتذكّر، لا البصريّين وحدهم.
  • طبيعة المحتوى هي التي تحدّد الطريقة الأنسب: الخريطة تُفهم بالنظر، والتلاوة تُتقن بالسماع، والتجربة تُفهم بالممارسة.
  • المشاركة النشطة تفيد الجميع أكثر من الاستماع الطويل.

الخلاصة العمليّة: لا تتخلّ عن فكرة التنوّع، بل غيّر طريقة استعمالها. استعمل الأنماط تذكيراً لك بتنويع المداخل في الدرس الواحد، لا بطاقاتٍ تعلّقها على الطلاب.

كيف تكتشف تفضيلات طلابك دون تصنيفهم؟

معرفة ما يرتاح إليه طلابك تبقى مفيدة؛ فهي تساعدك على جذب انتباههم وبناء علاقةٍ معهم. وإليك طرقاً بسيطة:

  • الملاحظة: من يرسم في هامش دفتره؟ ومن يتذكّر ما قيل حرفيّاً؟ ومن لا يهدأ حتى يمسك شيئاً بيده؟
  • استبانةٌ قصيرة للتعارف: ثلاثة أو أربعة أسئلة في بداية العام مثل «كيف تحبّ أن تذاكر؟». اقرأها للتعرّف لا للحكم.
  • الاختيار في المهمّة: اعرض طريقتين لإنجاز النشاط نفسه، ولاحظ ما يختاره كلّ طالب.
  • الحوار: اسأل الطالب بعد درسٍ نجح فيه: ما الذي ساعدك على الفهم اليوم؟

خطوات التطبيق: درسٌ متعدّد المداخل

١) ابدأ من المحتوى لا من الطالب

اسأل نفسك: ما الطريقة التي تناسب طبيعة هذا الدرس؟ درس الأشكال الهندسيّة يحتاج نماذج تُلمس، ودرس الإملاء يحتاج كتابة، ودرس الأحكام يحتاج أمثلةً من واقع الطالب.

٢) أضف مدخلاً ثانياً يدعم الأوّل

إذا كان الشرح شفهيّاً فأرفقه برسمٍ أو مخطّطٍ على السبّورة، وإذا عرضت صورةً فاطلب من الطلاب وصفها بكلماتهم. المدخلان معاً أقوى من أيّ واحدٍ منهما منفرداً.

٣) أدخل حركةً هادفة

الحركة لا تعني الفوضى: وقوفٌ للتصويت، أو انتقالٌ إلى ركنٍ يمثّل الإجابة، أو ترتيب بطاقاتٍ على الطاولة. دقيقتان من الحركة المرتبطة بالمحتوى تجدّدان انتباه الفصل كلّه.

٤) نوّع طرق إظهار الفهم

اسمح للطالب أحياناً أن يُظهر ما تعلّمه بطريقةٍ يختارها: خريطةٌ ذهنيّة، أو شرحٌ شفهيّ لزميله، أو فقرةٌ مكتوبة. بشرط أن يبقى المعيار واحداً للجميع.

٥) قيّم المهارة لا النمط

في النهاية يحتاج كلّ طالبٍ أن يقرأ ويكتب ويستمع ويطبّق. لا تعفِ «الحركيّ» من القراءة، ولا «البصريّ» من الإنصات؛ بل ساعد كلّاً منهم على تقوية الجانب الذي يتجنّبه.

أمثلة على المنهج السعودي

  • القرآن الكريم والتجويد: الاستماع إلى التلاوة الصحيحة مدخلٌ أساسيّ، ويدعمه تلوين مواضع الحكم في المصحف التعليميّ وتتبّعها بالإصبع.
  • الرياضيّات — الصفّ الثالث في الضرب: مصفوفاتٌ من الأقلام أو المكعّبات تُرصّ صفوفاً وأعمدة، ثم رسمها على الورق، ثم كتابة جملة الضرب.
  • العلوم — دورة الماء: مخطّطٌ دائريّ بالأسهم، وتجربةٌ بسيطة لتكثّف البخار على غطاءٍ بارد، وطلبٌ من الطلاب أن يرووا رحلة قطرة الماء بأسلوب قصّة.
  • الدراسات الاجتماعيّة — مناطق المملكة الإداريّة: خريطةٌ صامتة يلوّنها الطلاب، ولعبة «أين تقع؟» شفهيّة، ثم بطاقات أسماءٍ يضعونها على خريطةٍ كبيرة.
  • لغتي — الصفّ الأوّل في الحروف: نطق الحرف وسماعه في كلمات، ثم رسمه في الهواء أو على الرمل، ثم كتابته في الدفتر.

أخطاء شائعة

  • تثبيت التصنيف: أن يقول الطالب «أنا سمعيّ، لا أفهم من الكتاب» عذرٌ يحدّ من نموّه بدل أن يفتح له باباً.
  • الإهمال المقنّع للقراءة والكتابة: الإكثار من الأنشطة الحركيّة على حساب المهارات الأساسيّة.
  • الحشو: إضافة نشاطٍ لكلّ نمطٍ في كلّ درس حتى يتحوّل الدرس إلى سلسلة فقراتٍ لا يربطها هدف.

البديل الأوسع والأثبت هو التمايز بحسب الاستعداد والاهتمام، وتجد تفصيله في استراتيجيات التعليم المتمايز.

كيف تطبّقها بحروف و دروس

ألعاب حروف و دروس لا تصنّف الطلاب، لكنّها تجمع أكثر من مدخلٍ في نشاطٍ واحد بطبيعتها:

  • لوحة الحروف السداسيّة على السبّورة: السؤال يظهر مكتوباً أمام الفصل، وتقرؤه أنت بصوتك، والفرق تتابع مسارها على اللوحة بصريّاً.
  • عجلة الأسئلة والمجموعات: اختيارٌ عشوائيّ يُبقي الجميع منتبهين، وتنافس فرقٍ يحرّك الطالب الذي لا يهدأ في مقعده — وهو مدخلٌ تفصّله في التعلّم بالألعاب.
  • أوراق عملٍ قابلة للطباعة: تعيد المحتوى نفسه إلى القراءة والكتابة الفرديّة بعد اللعب، فلا يبقى التعلّم شفهيّاً فقط.

بهذا الترتيب — لعبٌ جماعيّ ثم ورقةٌ فرديّة — تخدم طلابك المتنوّعين دون أن تحضّر الدرس ثلاث مرّات، وترفع مشاركة الصامتين منهم كما في دليل زيادة مشاركة الطلاب.

أسئلة شائعة

هل أنماط التعلم حقيقةٌ علميّة؟

التفضيلات الشخصيّة موجودة فعلاً، لكنّ فكرة أنّ مطابقة التدريس لنمط الطالب ترفع تحصيله لم تثبت في الدراسات المحكمة. الأنفع تنويع المداخل للجميع واختيار الطريقة بحسب طبيعة المحتوى.

هل أطبّق مقياساً لتحديد نمط كلّ طالب؟

لا بأس باستبانةٍ قصيرة للتعارف وفهم اهتمامات طلابك، لكن لا تبنِ عليها مجموعاتٍ ثابتة أو خطط تدريسٍ منفصلة. التشخيص الأدقّ للتخطيط هو قياس المهارات نفسها.

كيف أراعي التنوّع في فصلٍ مزدحم؟

اجعل كلّ درسٍ يجمع مدخلين على الأقلّ: كلمةً وصورة، أو شرحاً وممارسة، وأضف دقيقتين من الحركة الهادفة. هذا وحده يصل إلى معظم الطلاب دون تحضيرٍ إضافيّ كبير.

اقرأ المزيد

التعليم المتمايز: استراتيجيات تطبيقه داخل الفصل

اقرأ المقال
العودة إلى جميع المقالات